إلى أن يحوز الحاكمون ثقة المواطن!
شكّل العثور على حطام الطائرة الأثيوبية والبدء باستخراج جثث الضحايا حاجزاً أمام الإيغال في الشأن السياسي وملاحقة القضايا التي عجزت الحكومة عن إنجازها. ولو قدّر لتصريح الرئيس السوري بشّار الأسد أن يصدر قبل زيارة الرئيس سعد الحريري لدمشق وقيام حالة التفاهم بين البلدين على المستوى الرسمي لتسبّب في إشكاليّات سياسية كبيرة. فقد نقل الصحفي الأميركي "سيمور هيرش" عن الأسد في جريدة نيويوركر ما نصّه: "إنّ الحرب الأهليّة في لبنان قد تبدأ في أيّام ولا تحتاج إلى أسابيع وأشهر.. ولا يمكن الشعور بالاطمئنان حيال أيّ شيء في لبنان إلاّ إذا غيّروا النظام بكامله..". وقد استوعب تيّار المستقبل هذا النقد الحاد للنظام، في حين جاءت ردود الفعل الأخرى ضمن إطار حالة المصالحة التي أعقبت زيارة الحريري لدمشق، والاتصال الهاتفي الذي أجراه الأخير مع الرئيس السوري قبل أيّام، ولم تتجاوز حدّة البعض قولهم: ماذا لو أعطينا اللبنانيين الحق في نقد النظام السوري وإبداء رأيه فيه وفي علاقته بشعبه!! وجاء التبرير أنّ الصحفي الأميركي نقل عن الرئيس الأسد ما فهمه من تصريحه، وليس ذلك بالضرورة ما قاله الرئيس.
أمّا قضيّة الطائرة الأثيوبية المنكوبة فقد تكون لها تداعيات، يحاول البعض أن يجعلها سياسية، من خلال اتهام البعض أنّهم أتاحوا فرصة واسعة (أسبوعين) للسفن الأميركية والفرنسية وغيرها حتّى تجري مسحاً للساحل اللبناني، في حين أنّ الطائرة سقطت في مكان محدّد على مرأى ومسمع من سكّان الساحل الجنوبي لبيروت. وعلى الرغم من أنّ عمليات المسح تجريها قوّات الأمم المتحدة "اليونيفل" البحرية التي تجوب الساحل اللبناني بحجّة منع تهريب السلاح، فإنّ هناك قضايا ملتبسة وهي تحتاج إلى إجابات مقنعة.
أوّل هذه القضايا أنّ كلّ الجثث التي استخرجت وقطع الطائرة وحقائب الركّاب، فضلاً عن شهود العيان عند سقوط الطائرة.. يدلّ على أنّها موجودة مقابل ساحل الناعمة، على بعد ثلاثة كيلومترات، وفي عمق لا يتجاوز خمسين متراً من سطح البحر.. إلى أن جاءت السفن الأمريكية والفرنسية لتفيد بأنّ الذبذبات الصادرة عن الصندوق الأسود تشير إلى مكان آخر. فتوقّف (أو أوقف) الغطّاسون اللبنانيون، من مغاوير الجيش إلى الدفاع المدني إلى عناصر نقابة الغطّاسين إلى الصليب الأحمر، وتركوا للغوّاصات التابعة للسفن أن تفتّش مقابل ساحل المنارة، وفي أعماق تجاوزت 1500 متر، حتّى إذا انقضى أسبوعان عاد الجميع إلى النقطة التي سقطت فيها الطائرة فاستخرجوا ثمانية من الضحايا وجناحي الطائرة وصندوقاً أسود، يوم الأحد، على أمل أن يتابعوا عملهم في استخراج بقيّة الركّاب والجسم الرئيسي للطائرة والصندوق الأسود الثاني يوم الإثنين، أو عند انقشاع العاصفة الموعودة.
والغريب أنّ أجواء الانفراج التي أصابت الناس باستخراج الصندوق الأسود ما لبثت أن تلاشت عندما قال المسؤولون إنّهم بانتظار الصندوق الثاني الذي يحوي تسجيلاً صوتياً لمحادثات مقصورة القيادة مع برج المراقبة، وكلّ ما صدر عن طاقم الطائرة، وأنّه في حال العثور عليه سالماً فإنّ تحليل المعلومات فيه قد يستغرق وقتاً طويلاً، يصل إلى ستّة أشهر.. وبعد كلّ هذا لا يريدون أن يسمعوا كلمة تشكيك أو اتهام للسلطات الرسمية، التي سبق أن تناقضت معلوماتها وتضاربت طيلة أسبوعين كاملين.
على الرغم من أنّنا في ظلّ حكومة وحدة وطنية، إلاّ أنّ الشكّ وانعدام الثقة ما زالا يحكمان القرار الرسمي، على أمل أن يستردّ المواطن ثقته بحكومته وزعاماته السياسية. فهل تحقّق الحكومة هذا الإنجاز؟!
المكتب الإعلامي
8/2/2010