الإفتتاحية
بيانات ومواقف
مقابلات
في الصحافة
قضايا وآراء
خواطر إيمانية
أنشطة
ألبوم الصور

الصفحة الرئيسية | الجماعة في سطور | المشروع السياسي | الميثاق الإسلامي | مركز الدعوة

بسم الله الرحمن الرحيم

الميثاق الإسلامي في لبنان

إنّ الجمعيات والحركات والشخصيات الإسلامية الموقّعة أدناه.

من أجل التعريف بالمنطلقات الأساسية التي تحكم عملها الإسلامي.

ولتوضيح صورة الإسلام، رسالة الله الأخيرة للناس أجمعين.

وتأكيداً لدورها الإيجابي البنّاء القائم على الحوار والتعاون وإرساء دعائم مجتمع فاضل يحمي الحريات والأخلاق وحقوق الإنسان..

توافقت على هذا الميثاق الذي يحدّد فهمها للإسلام ومنهجها في العمل الإسلامي ومواقفها إزاء القوى والتيارات العقائدية والسياسية، وهي تقدّمه لجميع المواطنين.

القسم الأول: المنطلقات الفكريّة

1- الإسلام هو دين الله الموحى به لجميع أنبيائه ورسله

 وهو رسالة الله الخاتمة للناس أجمعين. تقوم على الإيمان بالله تعالى وتوحيده، والإيمان بجميع رسل الله وأنبيائه، وبمحمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم واتّباعه، والإيمان بالقرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى على رسوله هدىً للعالمين (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربّه، والمؤمنون كلّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرّق بين أحد من من رسله) سورة البقرة الآية 285.

وهو شريعة تنظّم شؤون الفرد والمجتمع والعلاقات بين الناس، وتهدف إلى بناء المجتمع الإنساني على قواعد الرحمة والعدالة والمساواة، ورعاية الحريات التي منحها الله تعالى للإنسان، في مقابل مسؤوليته عن اختياراته.

2- العيش المشترك      

وهب الله تعالى العقل للإنسان، وأعطاه نعمة الحرّية والقدرة على الاختيار، ولذلك فقد وقع الاختلاف بين الناس منذ وُجدوا (وَلَوْ شاءَ ربُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَة، وَلا يَزالونَ مُختلِفينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ، ولذلِكَ خَلَقَهُمْ..) سورة هود الآية 118.

إنّ واجب الإنسان في هذه الحياة عبادة الله، ومهمته عمارة الأرض، وقد استخلفه الله تعالى لذلك (هو أنشأكم من الأرض واستعمرَكم فيها) سورة هود الآية 61، أي أمركم بعمارتها. وهي مهمّة يشترك فيها جميع الناس، مسلمين وغير مسلمين، وهم يعيشون جميعاً على أرض واحدة، فقَدَرُهم هو العيش المشترك رغم كلّ أنواع الاختلاف، للقيام بالمهمّة المنوطة بهم.

وإذا كان لنا من خيار في لبنان، فهو أن نضع لهذا العيش المشترك قواعد ثابتة، يرتاح إليها الجميع، أو أن نهمل ذلك فنتعرّض بين وقت وآخر لفتن أهلية أو صراعات داخلية، تستنزف طاقة الجميع، وتزيد من تخلّفنا عن ركب الحضارة الإنسانية.

 

إنّ قواعد العيش المشترك في رأينا أربعة:

الأولى: احترام الآخر والاعتراف به والتعامل معه: وهو بالنسبة لنا كمسلمين مسألة شرعية، تشمل الاختلاف الديني والسياسي، حسب التقسيم المعاصر. لقد أتاح الله تعالى للإنسان حريّة الاختيار بين الإيمان والكفر، ومع ذلك لم يحرم الكافر ممّا أعطاه لمن يؤمن به، لكنّه بيّن له أنّ الإيمان هو العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ودعاه إلى ذلك ورغّبه فيه، (لا إكْرَاهَ في الدِّين،ِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ، فمَنْ يَكْفُرْ بالطَّاغوتِ وَيُؤْمنْ باللَّهِ فَقَدْ استمْسَكَ بالْعُرْوَة الْوُثقَى، لا انفصَامَ لَها واللَّهُ سَميعٌ عَليم) سورة البقرة الآية 256.

إنّ هذه الحرّية الواسعة لجميع الناس أن يختاروا ما يريدون، حتّى بالنسبة للإيمان والكفر، تستلزم حتماً الاعتراف بنتائجها، والتعامل معها وفق الضوابط الشرعية. وإذا لم يكن الأمر كذلك فلا معنى أصلاً للحرّية.

الثانية: الأخلاق: وهي في نظر الإسلام قيم مطلقة يتعامل بها الإنسان مع الموافق والمخالف، لا تتأثّر باختلاف الدين، ولا بوسائل الإنتاج، ولا بأيّ اعتبار آخر. الأخلاق ليست أسلوب تعامل  المسلم فقط مع من يحب، ولا مع أبناء عشيرته أو قوميّته أو دينه، إنّها أسلوب التعامل مع الناس جميعاً. هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعامل مع المشركين في مكّة ومع اليهود في المدينة، حتّى كانت أعظم صفة مدحه بها ربّه قوله عزّ وجلّ: (وإنّكَ لعلى خُلُقٍ عظيم) سورة القلم الآية4. والعيش المشترك في مجتمع واحد بدون أخلاق لا يمكن أن يقوم ويثبت ويترسّخ، والأخلاق عندنا في هذا الشرق العربي تنبثق من الدين، ومن رسالاته السماوية.

الثالثة: العدالة: وهي أهمّ القيم الإنسانية على الإطلاق. من أجل تحقيقها أرسل الله الرسل بالبيّنات: (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالميزَانَ لِيَقومَ النَّاسُ بالقِسْطِ) سورة الحديد الآية 25. الكتاب هو مصدر العدالة. والميزان هو وسيلة تحقيقها، لأنه يعني التوازن بين الحقوق والواجبات، وهو ما ينبغي أن تسعى إليه السلطات القائمة من خلال قوانينها التفصيلية، أو من خلال أحكامها القضائية.

هاتان القاعدتان (الثانية والثالثة) هما اللتان أشار الله تعالى إليهما في الآية الكريمة: (لا يَنْهاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذينَ لَمْ يُقَاتِلوكُمْ فِي الدّين،ِ وَلَمْ يُخْرِجوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ، أَنْ تَبَرّوهُمْ وتُقْسِطوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) سورة الممتحنة الآية 8.

الرابعة: التعاون: لا معنى للعيش المشترك إذا لم يتعاون فيه الناس لتحقيق المصالح المشتركة. وقد بيّن الله تعالى أنّ التعاون مطلوب حتّى مع المشركين (..وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا، وتَعَاوَنوا علَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوَانِ..) سورة المائدة الآية 2. لقد صدّ الكافرون المسلمين عن المسجد الحرام، وترتّب على ذلك وجود الكراهية في قلوبهم تجاه هؤلاء الكفّار، لكن هذه الكراهية لا يجوز أن تدفعهم إلى الاعتداء. وإذا وجدوا مجالاً للتعاون مع هؤلاء المشركين فهو جائز ومطلوب بشرط واحد: أن يكون تعاوناً على البرّ والتقوى وليس على الإثم والعدوان.

وقد شبّه الرسول e أبناء المجتمع الواحد بركّاب سفينة واحدة، (فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإنّ تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً) رواه البخاري.

هذا المجتمع كلّنا فيه شريك ومواطن، وأيّ عمل يقوم به البعض قد يؤثّر على الجميع، لذلك لا بدّ من الحوار والتعاون، لأنّ الفساد يرجع ضرره على الجميع، والإصلاح عندما يقوم يعود خيره على الجميع.

ولعلّ في حِلف الفُضول الذي حضره رسول الله – قبل البعثة – واجتمع فيه زعماء قريش وتعاهدوا على أن ينصروا الضعيف ويغيثوا الملهوف ويساعدوا المحتاج ويُقروا الضيْف وغير ذلك من مكارم الأخلاق.. هذا الحلف الذي قال فيه الرسول e بعد البعثة: (لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحبّ أنّ لي به حُمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت) أخرجه ابن هشام في السيرة. هذا الحلف هو دليل قاطع على مشروعيّة التعاون بين المسلمين وغيرهم لتحقيق كلّ أمر مشروع.

3- قضية تطبيق الشريعة

يتألّف لبنان من تسع عشرة طائفة مُعترفاً بها. ومن البديهي أنّه لا يمكن أن تفرض أيّة طائفة على الآخرين نظرتها ونظامها وتشريعاتها. وديننا يأبى أن نفرض على الناس ما لا يريدون، والقرآن الكريم ينصّ بوضوح على أنّه (لا إكْراهَ في الدّين)، والدين في نظر الإسلام ليس مجرّد العقيدة والعبادة بل يشمل كلّ أنواع التشريع، للفرد والمجتمع.

لكن هذا التنوع لا يجوز أن يؤدّي إلى انتهاك حرّيتنا بأن نعتقد ما نشاء، وأن نعبّر عن أفكارنا في حدود نظام المجتمع وأمنه، وأن ندعو الناس إلى ما نرى أنه يسعدهم، هذه الحريات هي منحة الله تعالى للإنسان، وهي السِّمَةُ المميزة لهذا العصر، وقد كرّسها ميثاق الأمم المتحدة، وهي تؤكّد حقّنا في أن نبلّغ فكرتنا الإسلامية وأن نعمل من أجل نشرها.

إنّ المادة التاسعة من الدستور اللبناني تنصّ على أنّ (حرية الاعتقاد مطلقة، والدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى تحترم جميع الأديان والمذاهب)، وإذا كانت الدولة في لبنان مدنيّة، بمعنى أنها لا تلتزم ديناً معيناً، وتختار مؤسساتها من قبل جميع المواطنين، فنحن ننطلق من حرية الاعتقاد التي كفلها الدستور، ومن أنّ لبنان دولة مدنية تحترم الأديان، لندعو إلى تبنّي أحكام الشريعة الإسلامية باعتبار أنها جزء من ديننا من جهة، ولاعتقادنا أنها تحقق أفضل تنظيم للحياة الاجتماعية بين الناس، يؤمّن العدالة للجميع ويحفظ حقوقهم دون تفريق أو تمييز، معتمدين في هذا على الحوار والإقناع وليس على فرض ذلك بالإكراه على الناس.

من حقّ غير المسلم أن يقبل هذه الدعوة أو يرفضها، لأي سبب يراه. ولقد اختار المسيحيّون في لبنان في إحدى المراحل التاريخية القريبة تطبيق الأحكام الشرعية في الإرث، وظلّوا يطبّقون هذه الأحكام حتّى صدر قانون الإرث لغير المحمديّين عام 1959.

وإذا كنا جميعاً نلتزم أسلوب الحوار وآدابه، وأن يختار الناس القوانين التي تحكمهم من خلال مؤسساتهم التشريعية، فلن تكون هناك مشكلة حين ندعو إلى تطبيق الأحكام الشرعية؟ خاصّة أنّ هذه الأحكام أكثر ملاءمة لطبائعنا الشرقيّة، وأكثر انسجاماً مع مجتمعاتنا العربيّة. هذا هو الإصلاح الحقيقي للواقع اللبناني وللبشرية في رأينا. لكنّنا لن نسعى إلى ذلك إلاّ بالوسائل السلمية المشروعة التي تحفظ العيش المشترك والسلم الأهلي.

4- الأحوال الشخصيّة

‌أ-         لبنان وطن لجميع أبنائه. وهو يتألّف من جماعات دينيّة مختلفة. هذا هو واقعه، وهكذا يؤكّد دستوره. هذه الجماعات الدينيّة (الطوائف) هي الأكثر تأثيراً وأهميّةً في المجتمع اللبناني. والدستور اللبناني يحترم (جميع الأديان والمذاهب، ويكفل حريّة إقامة الشعائر الدينيّة، ويضمن للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصيّة والمصالح الدينيّة).

إذاً: لكلّ جماعة دينيّة في لبنان مساحتها الخاصّة تمارس فيها (شعائرها الدينيّة وأحوالها الشخصيّة) ضمن ساحة المجتمع العامّة. لكنّ الدستور قضى بتوزيع الرئاسات الثلاث، وكذا مجلس الوزراء ومجلس النوّاب، والوظائف الكبيرة في الدّولة على أساس طائفي، وبذلك توسّعت مساحة الطوائف – خارج نطاق الشعائر الدينيّة والأحوال الشخصيّة – وتداخلت مع المساحة الوطنيّة المشتركة. وبقي مطلب إلغاء الطائفيّة السياسيّة معلّقاً بدون تنفيذ.

‌ب-     إنّ الزواج المدني أو القانون الموحّد للأحوال الشخصيّة – ولو كان اختياريّاً – ينقل القضيّة من معالجة مشكلة الطائفيّة السياسيّة التي تطال كلّ لبناني في حقوقه الإنسانيّة والسياسيّة، وهي مشكلة تتمحور حول تجاوز الطوائف لمساحتها الخاصّة ودخولها في المساحة الوطنية المشتركة، إلى محاولة انتزاع مسألة الأحوال الشخصيّة من خصوصيات الطوائف وإلحاقها بالمساحة الوطنيّة المشتركة. هذه مسألة تمسّ الدستور في أهمّ مواده التي قام عليها الكيان اللبناني. وهي تؤدّي إلى فتح صراع جديد بين الوطن والطوائف التي يتألّف منها، وهو صراع لا يمكن أن يكون في مصلحة الوطن، بالنسبة للواقع اللبناني.

‌ج-      يرى بعض اللبنانيّين أنّ مثل هذا الصراع انتهى في البلاد الغربيّة إجمالاً إلى انتزاع مسألة الأحوال الشخصيّة من خصوصيّات الطوائف، وإخضاعها للتشريع المدني. ولذلك فهم يصرّون على طرحها، وتأجيج الصراع حولها على أمل الوصول بلبنان إلى مثل هذه النتيجة. لكنّنا نقول: إنّ المجتمع اللبناني مجتمع مختلط، ليس فيه أغلبيّة دينيّة يمكن مراعاة توجّهاتها كما هي الحال في أكثر الدول التي تبنّت الزواج المدني، سواء كانت مسيحية كالدول الأوروبية، أو مسلمة كتونس وتركيا، فجاءت قوانينها المدنية معبّرة إجمالاً عن الخلفية الدينية للأغلبية. أما في لبنان فمن المحال موضوعيّا إيجاد قانون موحّد للأحوال الشخصيّة يرضى به الناس ويراعي خصوصيات الطوائف. كما أنّ الوجود الإسلامي يشكّل أكبر شرائح المجتمع اللبناني، وهو لا يمكن أن يرضى بانتزاع الأحوال الشخصيّة من خصوصيّاته الإسلامية، لأنها لا تقلّ أهميّة بالمنظور الإسلامي عن مسألة العبادة والشعائر الدينيّة.

‌د-       إنّ دار الفتوى، باعتبارها المرجعية الرسمية للمسلمين، هي الناطق باسمهم والمكلفة بالمحافظة على خصوصياتهم، ومنها أحوالهم الشخصية. لذلك فإننا نؤكّد وجوب دعمها والتكامل معها حتى تتمكّن من تطوير أدائها في متابعة العمل الإسلامي الرسمي المتمثّل بالمحاكم الشرعية والأوقاف الإسلامية، ومن أداء دورها في رعاية العمل الإسلامي الشعبي.

5-  الإسلام والمرأة

أ‌-            يرى الإسلام في كلّ من الرجل والمرأة (جوهر) الإنسانيّة، ووحدة الخلق والنشأة، مع اختلاف الوظيفة المناطة بكلّ منهما، ومع الاختلاف الخَلقي الذي يجعل كلاًّ منهما قادراً على القيام بوظيفته في الحياة.

- ولهذا فهو يقرّر مبدأ المساواة المطلقة بينهما في كلّ ما يتّصل بالكرامة الإنسانيّة، وبالمسؤوليّة العامّة لأنّ (النساء شقائق الرجال).

- أمّا ما يتعلّق باختلاف الوظيفة داخل الأسرة، وداخل المجتمع بين الرجل والمرأة، فإنّ الإسلام يقرّر مبدأ التوازن بين الحقوق والواجبات المتبادلة، وهو حقيقة العدالة لقوله تعالى: (ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف).

ب‌-             إنّ رعاية الأسرة هي أولى مهمّات المرأة بلا جدال، ولا يستطيع غيرها أن يقوم مقامها فيها. أمّا فائض الوقت والجهد حين يوجد فإنّ المرأة تستخدمه للقيام بسائر واجباتها الاجتماعية، والواجبات يتحدّد نطاقها باختلاف ظروف المرأة نفسها، واختلاف ظروف المجتمع وحاجاته وتطوّره. وهو يشمل كلّ نشاطات المجتمع الاقتصاديّة والسياسيّة وحتّى العسكريّة عندما يتعرّض الوطن للخطر.

ج-  والإسلام لا يضع الرجال والنساء موضع الحرج، ولا يوجب عليهم التأثّم من مشاركة المرأة في النشاطات الاجتماعية، وإنّما يسبغ عليها آدابه الشرعيّة كما أسبغها على سائر ميادين النشاط الاجتماعي، ويضع لها الضوابط التي تحفظها وتحفظ المجتمع، مثل حجاب المرأة، وتحريم الخلوة، وتحديد شروط الاختلاط، وغير ذلك من الأحكام المتعلّقة بمشاركة المرأة في نشاطات المجتمع. فبعضها آداب تحمي وتصون، وبعضها الآخر سدّ للذرائع أمام المفاسد والمحرّمات. لكنّها جميعاً شرعت لتنظّم مشاركة المرأة الاجتماعية لا لتمنعها، لذلك لم يكن غريباً أن يمتلىء تاريخنا العربي الإسلامي بنماذج رائعة من النساء اللواتي كان لهنّ دور رائد في المجتمع سواء في المجال العلمي أو السياسي أو الأدبي أو حتى الجهادي.

6- الجهاد في سبيل الله

هو بذل الجهد في كلّ عمل يرضي الله تعالى. ومنه جهاد النفس الأمّارة بالسوء، وجهاد الدعوة، وجهاد كلمة الحق أمام السلطان الجائر، وجهاد العدو باللسان أو بالسيف أو بأية وسيلة أخرى. أما القتال فقد شرعه الإسلام لأسباب محدّدة، وسمّاه جهاداً في سبيل الله، ليبقى خاضعاً للضوابط الشرعية. وهو اليوم فريضة قائمة ضدّ أي عدوان على بلادنا العربية والإسلامية، كما يجري في فلسطين والعراق وأفغانستان، ولا يمكن أن يتحوّل ضدّ حكوماتنا أو شركائنا في الوطن، الذين نعيش معهم منذ مئات السنين في ظلّ مواثيق وعهود يجب أن يلتزم بها الجميع. لذلك فنحن لا نوافق على أي تفسير للجهاد يجعله موجهاً ضدّ المجتمع الذي نعيش فيه، أو يَطال إخواننا المواطنين من أبناء الديانات الأخرى، ويؤدي إلى خلخلة السلم الأهلي وتمزيق الوحدة الوطنيّة، ويقدّم خدمة مجّانية للعدوّ الصهيوني. وهو أصلاً نقض للعهد لا يجوز أن نقع فيه، قال الله تعالى: (الذين ينقُضون عهدَ الله من بعدِ ميثاقِه، ويَقْطَعونَ ما أمرَ اللهُ به أنْ يوصَلَ، ويُفسِدون في الأرضِ، أولئك هُم الخاسِرون) البقرة 27. ونقض العهد يعتبر غدراً، وقد نهى الإسلام عن الغدر، قال رسول الله e : (لكلّ غادر لواء يوم القيامة يعرف به) رواه الشيخان.

7- النهي عن المنكر

النهي عن المنكر واجب شرعي، لكنّ استعمال القوة فيه غير مشروع، إلاّ إذا كان المنكر يدخل تحت ولاية من يريد النهي عنه، لأنّه عند ذلك يكون مكلّفاً بإزالة هذا المنكر وليس مجرّد النهي عنه. أمّا المنكرات العامّة الشائعة في المجتمع، فإنّ الواجب الشرعي إزاءها هو الإنكار باللسان وتقديم النصيحة، خاصة وأنّ محاولة استعمال القوّة لن يؤدي إلى إزالتها وقد يؤدي إلى منكر أكبر. فيبقى الواجب الإنكار باللسان ومحاولة إصلاح نظام المجتمع. هذا هو الفهم الصحيح لقول رسول الله e: (من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه...) رواه مسلم، لذلك نحن نرفض استعمال العنف أثناء النهي عن المنكر بكلّ أشكاله وصوره.

لكننا سنظلّ نرفع صوتنا ضدّ كلّ المنكرات التي تنتشر في لبنان، وخاصة الفساد الأخلاقي الذي تروّج له بعض وسائل الإعلام. وسنبذل جهدنا لتحصين الشباب وحماية المجتمع اللبناني ضدّ هذه الموجات.

8- الإرهاب

الإرهاب مصطلح حديث وقع حول تعريفه خلاف كبير في كلّ بلاد العالم. لكن القَدْرَ المتّفق عليه هو: (الاعتداء على الأبرياء بالخطف والترويع، وإلحاق الأذى بهم، أو قتلهم لتحقيق أهداف سياسية لا علاقة لهم بها).

بناءً على هذا التعريف نقول: إنّ الإسلام يرفض الإرهاب، وهو لا يقبل إلحاق الأذى بالأفراد أو بالشعوب وحتّى بالحيوان. وحديث المرأة التي دخلت النار في هرّة حبستها معروف ومشهور. والإسلام يأمر بالرفق حتّى مع الأعداء، وينهى عن الاعتداء عليهم بدون سبب، قال تعالى: (وقاتلِوا في سبيل ِاللهِ الذين يقاتلِونَكم، ولا تَعتَدوا) سورة البقرة الآية 190. وحين يبيح القتال فهو يسمّيه جهاداً في سبيل الله، حتّى ينتزع من مبرراته كلّ هدف لا يرضي الله تعالى.

أما حين يُعتدى على الناس، في حقوقهم أو كرامتهم أو دينهم أو أرضهم، ويُستعمل في هذا العدوان كلّ ما يعتبر إرهاباً، فمن حقّهم أن يردّوا العدوان بمثله، والبادئ أظلم، والله تعالى يقول: (فَمَنْ اعتدَى عليكُم فاعتَدوا عليه بمثل ِما اعتدى عليكم) سورة البقرة الآية 194، حتى إذا تمّ ردع العدوان، فإنّ الصبر وعدم المعاملة بالمثل هو الأفضل عند الله لإشاعة جو العفو والتسامح والإصلاح بين الناس. قال تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله، إنه لا يحبّ الظالمين) سورة الشورى الآية 40.

وحين يقع القتال يجب على المجاهد المسلم أن يظلّ متمسّكاً بأحكام الإسلام، (فلا يجوز  له قتل الأطفال  أو النساء غير المقاتلات  أو الشيوخ غير المقاتلين، أو الرّهبان في الصوامع، أو العسفاء - أي الخدم والأجراء - أو التجّار). ولا تزال وصيّة أبي بكر رضي الله عنه لأوّل جيش خرج من شبه الجزيرة العربيّة لقتال الرّوم تجمع هذه المعاني وتصرّح في أوضح عبارة (.. لا تُمثّلوا، ولا تَقْتُلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأةً، ولا تعقِروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرةً مثمرةً، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرةً ولا بعيراً إلاّ لمأكلة, وسوف تمرّون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصّوامع، فدعوهم وما فرّغوا أنفسهم له..) المدونة 2/7 وتاريخ الطبري.

إننا نرفض الإرهاب من أي جهة أتى، خاصة عندما تمارسه السلطات الحاكمة لقمع أي تيار فكري أو سياسي، إسلامي أو غير إسلامي، استجابة لضغوط خارجية.

9- المقاومة

إنّ حقّ جميع الشعوب في الاستقلال على أرضها، وردّ العدوان عنها، واختيار نظام حكمها، حقّ فطري مقدّس، كرّسته الشرائع الإلهية والمواثيق الدولية وشرعة حقوق الإنسان. ولا يمكن أن توصف مقاومة أي شعب لعدو يحتلّ أرضه بأنها إرهاب. لأنّ الاحتلال هو الإرهاب بعينه، ومقاومته بكلّ الوسائل المتاحة حقّ مشروع.

لذلك فنحن نرفض كلّ قرارات الولايات المتّحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي التي تعتبر مقاومة الشعب الفلسطيني والأفغاني والعراقي إرهاباً، بينما هي تغضّ الطرف عن العدوان الصهيوني المستمرّ منذ أكثر من خمسين عاماً والذي أدى إلى قتل عشرات الألوف من الأطفال والنساء والشيوخ، وإلى تدمير ألوف البيوت وإحراق مساحات كبيرة من الأرض المزروعة، فضلاً عن تشريد خمسة ملايين من الفلسطينيين في أرجاء الأرض. إننا ندين هذه المواقف التي تشجّع على العدوان والإرهاب، ونحيي كلّ مقاومة يقوم بها أي شعب من الشعوب ضدّ عدو محتلّ، لأنه يمارس حقه الطبيعي، ويستعمل أفضل الوسائل لردّ العدوان.

ونفتخر بالمقاومة الباسلة للشعب الفلسطيني، ونعتبرها خير تعبير عن أصالة هذه الأمّة وعمق إيمانها. كما ندعو العرب والمسلمين حكومات وشعوباً إلى أن يقدّموا لها كلّ أنواع الدعم. فهي تقاتل دفاعاً عن الأمّة كلّها ضدّ الهجمة الصهيونية – الأمريكية.

لكننا في الوقت نفسه نفرّق بين الحكومات والشعوب. فكما ندين الإدارة الأمريكية التي تمارس العدوان وتدعم الاحتلال في فلسطين، نثمّن جهود القوى الخيّرة في المجتمع الأميركي والأوروبي التي تحترم حقوق الإنسان وتضغط على حكوماتها من أجل وقف عدوانها على المستضعفين.

 

الصفحة  1  2  3 

جميع الحقوق محفوظة ©  2003